الغزالي
5
إحياء علوم الدين
فاستمع بسرّ قليل لما يوحى ؟ وهل يكون سماع القلب بغير سره ، وكيف يسمع لما يوحى من ليس بنبي ، أذلك على طريق التعميم أم على سبيل التخصيص ، ومن له بالتسلق إلى مثل ذلك المقام حتى يسمع أسرار الإله ، وإن كان على سبيل التخصيص والنبوة ليست محجورة على أحد إلا على من قصر عن سلوك تلك الطريق ، وما يسمع في النداء إذا سمع . أهل أسمع موسى أو أسمع نفسه ؟ وما معنى الأمر للسالك بالرجوع من عالم القدرة ونهيه عن أن يتخطى رقاب الصديقين ، وما الذي أوصله إلى مقامهم وهو في المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين ، وما معنى انصراف السالك بعد وصوله إلى ذلك الرفيق ، وإلى أين وجهته في الانصراف وكيف صفة انصرافه ، وما الذي يمنعه من البقاء في الموضع الذي وصل إليه وهو أرفع من الذي خلفه ، وأين هذا من قول أبي سليمان الداراني المذكور في غير الإحياء ، لو وصلوا ما رجعوا ما وصل من رجع ، وما معنى بأن ليس في الإمكان أبدع من صورة . هذا العالم ، ولا أحسن ترتيبا ، ولا أكمل صنعا ، ولو كان وادخره مع القدرة عليه كان ذلك بخلا يناقض الجود ، وعجزا يناقض القدرة الإلهية ، وما حكم هذه العلوم المكنونة ، هل طلبها فرض ومندوب إليه ، أو غير ذلك ، ولم كسبت المشكل من الألفاظ ، واللغز من العبارات ، وإن جاز ذلك للشارع فيما له أن يختبر به ويمتحن فما بال من ليس شارعا ، انتهى جملة مراسم الأسئلة في المثل فأسأل الله تعالى أن يملى علينا ما هو الحق عنده في ذلك ، وأن يجرى على ألسنتنا ما يستضاء به في ظلمات المسالك ، وأن يعم بنفعه أهل المبادئ والمدارك ، ثم لا بد أن أمهد مقدمة وأؤكد قاعدة ، وأؤكد وصية أما المقدمة : فالغرض بها تبيين عبارات انفرد بها أرباب الطريق تغمض معانيها على أهل القصور ، فنذكر ما يغمض منها ، ونذكر المقصد بها عندهم ، فرب واقف على ما يكون من كلامنا مختصا بهذا الفن في هذا ، وغيره ، فيتوقف عليه فهم معناه من جهة اللفظ ، وأما القاعدة : فنذكر فيها الاسم الذي يكون سلوكنا في هذه العلوم عليه ، والسمت الذي ننوي بمقصدنا إليه ، ليكون ذلك أقرب على المتأمل وأسهل على الناظر المتفهم